العدد 10 7/3/2010 اللحن:6 الإيوثينا: 6
الأحد الثالث من الصوم (السجود للصليب المُقدَّس)
الرسالة (عبرانيين 4: 14-16, 5: 1-6)
يا إخوة إذ لنا رئيسُ كهنةٍ عظيمٌ قد اجتازَ السماواتِ يسوعُ ابنُ اللهِ فلنتمسَّك بالاعترافِ، لأنَّ ليسَ لنا رئيسَ كهنةٍ غيرَ قادرٍ أن يرثي لأوهاننا، بل مجرَّبٌ في كلِّ شيءٍ مثلنا ماخلا الخطيئة. فلنُقْبِل إذن بثقة إلى عرش النعمة لننال رحمةً ونجد ثقةً للإغاثة في أوانها. فإن كل رئيس كهنة مُتَخَذٌ من الناس يُقام لأجل الناس فيما هو لله، ليقرِّب تقادم وذبائح عن الخطايا في إمكانه أن يشفق على الذين يجهلون ويضلُّون لكونه هو أيضاً متلبِّساً بالضعف. ولهذا يجب عليه أن يقرِّب عن الخطايا لأجل نفسه كما يقرِّبَ لأجلِ الشعب، وليس أحدٌ يأخذ لنفسه الكرامة بل مَن دعاه الله كما دعا هرون. كذلك المسيح لم يمجِّد نفسه ليصير رئيس كهنة بل الذي قال له: أنت ابني وأنا اليوم ولدتك. كما يقول في موضع آخر: أنت كاهنٌ إلى الأبد على رتبة ملكيصادق.
الإنجيل (مرقس 8: 34-38، 1:9)
قال الربُّ: مَنْ أرادَ أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني، لأنّ مَنْ أراد أن يخلِّص نفسه يهلكها، ومن أهلك نفسه من أجلي ومن أجل الإنجيل يخلِّصها. فإنّه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كلَّه وخسر نفسه؟ أم ماذا يعطي الإنسان فداءً عن نفسه، لأنّ من يستحي بي وبكلامي في هذا الجيل الفاسق الخاطىء يستحي به ابن البشر متى أتى في مجد أبيه مع الملائكة القديسين. وقال لهم: \"الحق أقول لكم إن قوماً من القائمين ههنا لا يذوقون الموت حتى يروا ملكوت الله قد أتى بقوة\".
السجود للصليب
الصليب عندنا أيقونة الأيقونات. هو مكان لحضور السيد في سر خلاصه. لذلك نرسم علامة الصليب على وجوهنا ونرسمه على من نحب وعلى الأشياء لنعبّر عن محبتنا للمصلوب. طبعا الإكرام يرتفع دائماً في عقولنا من الصورة إلى السيد المرسوم عليها. والأيقونة عندنا ليست لوحة فنية. إنها لغة باللون، تعبير عن إيماننا، وبسبب التلاحم البديع بين الصليب ومن صُلب عليه، نخاطب الصليب كأنه شخص قائلين مثلاً: \"افرح أيها الصليب الحامل الحياة\"، ولا ننسى أنَّ الصليب لا يستوقفنا عند عذاب المسيح إلا لننطلق من هذا الألم الى المجد الإلهي. لذلك عندما نصافح الصليب نكون مصافحين للمسيح القائم من بين الأموات.
في العيد الذي نحن فيه اليوم نستبق عبادياً جو أسبوع الآلام والقيامة. \"بالصليب أتى الفرح في كل العالم\".
الزياح الحالي يتم بوضع صليب المائدة المقدسة على الزهور، وتحيط به الشموع المضاءة. وبعد أن يجثو المؤمن أمام الصليب ويقبّله، يعطيه الكاهن زهرة ليوحي للمؤمن بأنه بإيمانه بالمصلوب ينال فرحاً. لذلك لا نفصل بين الصليب والقيامة. والترتيلة المرافقة لهذه الحركة: \"لصليبك يا سيدنا نسجد، ولقيامتك المقدسة نمجّد\".
قد يشعر المؤمن إذا أدرك نصف الصيام بشيءٍ من التعب والملل. قد يحسّ بأن الفضيلة التي تسلّح بها ترميه في صحراء، وبأن العودة الى الخطيئة فيها لذّات كثيرة. الكنيسة تقول له في الرسالة الى العبرانيين التي نقرأها اليوم عن السيد إنه \"جُرّب في كل شيء مثلنا ما خلا الخطيئة\". الصيام امتحان لصبرنا ولمحبتنا ليسوع. لا بأس أيها المؤمن أن يحاول الشيطان إغراءك، ولكن أنت لا تقع. انظر الى وجه المسيح الذي قرّب نفسه عنك. أنت يمكنك أن تصير ابناً بالنعمة. وإذا كنت ابناً فاترك كل شيء يعرقل بنوّتك هذه. انسلخ عما يلهيك عن يسوع حسب قوله في إنجيل اليوم: \"من أراد ان يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني\". أنت على طريق الجلجلة إذاً. طريق الجلجلة هو سعيك الجدّي لأن تكون يقظاً أمام الخطيئة التي ارتكبتَ، وأنْ تقف أمام التجربة بقوة وأن تدفعها عنك، بنعمة الله، حتى ولو قَبِلْتَها في البداية \"ارحمني يا الله كعظيم رحمتك، وكمثل كثرة رأفتك...امح مآثمي..لأني بآثامي أنا عارفٌ وخطيئتي هي أمامي في كل حين\". طريقك هو ألاّ تحب العالم ولا الأشياء التي في العالم لأن \"من أراد أن يخلّص نفسه يهلكها\" أي يضحّي بكل ما يؤذيها ليصير حراً من الشر. والمسيح وحده يملأ قلبك ويعطيك الحرية والفرح به، ويؤهلك الى فصحٍ أبدي قائم في روحك. هذا هو عيدك الدائم.
\"فإنْ كُنتَ تَحسَبُني شَريكًا لَكَ في الإيمانِ، فاَقبَلْهُ كما تَقبَلُني\" (فيلمون الآية 17).
كان فيلمونُ سيداً قديراً، طرد عبداً من منزله قد أخطأ إليه. لكن العبد صار مسيحياً وتاب. يطلب هنا بولس في رسالته إلى فيلمون المحبوب أن يستعيد هذا العبدُ مكانتَه الأولى وعمله! \"فإن كنت تحسبني شريكاً لك في الإيمان فاقبله كما تقبلني\" هل هذا التدخل من بولس في حياة فيلمون داخل بيته هو تدخل في شؤون لا تعنيه؟ قد نعترف أن للأسقف أو الكاهن أو الرعاة سلطةً أبوية ليأمروا بشأن تنظيم الأمور الكنسية، لكن حياتنا \"الخاصة\" في \"بيوتنا\" هذه حياتنا نحن! ومع هذا يرى بولس الرسول في فيلمون شريكاً له في الإيمان. فما هي هذه الشراكة؟
في البداية سؤالٌ تبدو الإجابة عليه بديهية: أين يُعبَد الله؟ في الكنيسة طبعاً! أين الكنيسة وما هي؟ هل هي في المعبد؟ لقد رفض الله في العهد القديم أن يسكن في معابد من صنع أيادي البشر! بولس الرسول سمَّانا نحن البشر \"هياكلَ لله الحيِّ\". الله الميت يُعبدُ ويَسْكنُ في هياكل. الله الحي يسكن فينا فيحركنّا. لاشك أن الكنائس ضرورية. لكن الكنيسة ليست مكان سكنى الله، بل مكان اجتماع المؤمنين ليعبدوه ويسبحوه معاً. الكنيسة مكان الصلاة الجماعية. لكن هذه الصلاة هي لحظات من زمن حياتنا وعبادتنا لله. يُعبد الله في كل مكان وزمان، وهذا ما نردده في صلواتنا \"يا من في كل وقت في السماء وعلى الأرض مسجود له وممجد...\" (من صلاة النوم). فأين هي كنيسة الله للحظات الأغلب الأخرى؟ الصلاة الجماعية في الكنيسة لا تتجاوز ساعات قليلة جداً في الأسبوع، حين تسمح الظروف أو نستفيد منها!
الخطر الأبشع في حياتنا المسيحية هو أن نجعل الله صنماً حين نسجنه في مكان، أو نقدم له بعضاً من ساعات أو بعضاً من قرابين، كانت إحسانات أو تسابيح أو ...إلخ. أنْ نعطي لله حصتَّه من حياتنا ثم نحيا الباقي بطريقتنا الخاصة، فهذه ليست من الحياة المسيحية. ليس اللهُ كائناً نذهب إليه، بل هو أبٌ محب يأتي إلينا، حيث نحن وكل لحظة. وهناك بيته. من هذه الناحية تصبح بيوتنا مكاناً لعبادته أيضاً. وقد تكاد تحتل هذه الكنيسة – البيت- المكانة الأولى في حياتنا، لولا أنها تفتقد إلى ممارسة بعض الأسرار والحياة الليتورجية. الله قريب، الله يرافقنا، إننا به ونحيا ونتحرك ونوجد. كيف نجعل منازلنا، معاملنا، مدارسنا، ومشاغلنا بيوتاً وهياكلَ لله؟ يعوزنا أن ننتبه إلى ما يلي:
في المسيحية، المقدَّسُ ليس ما يُخصَّص لله، بل هو ما لنا حين نشارك الرَّب فيه. يسمي بولس نفسه \"شريكاً\" لفيلمون. وهذا \"الشراكة\" تأتي من الرباط الروحي الذي اختاره كل مسيحي بحريته حين اعتمد وآمن وشرب من الكأس المشتركة وأكل من الجسد الكريم. هذه \"الشراكة\" مع الله ومع أعضاء الكنيسة وكل المؤمنين لا تنحصر في الشؤون الروحية بل في كل أمور حياتنا. إذا عرفنا أننا شاركنا الله ليس ببعضٍ من وقتنا أو ببعضٍ من أملاكنا بل بـ\"قلبنا\"، عندها نعرف أن \"للرب الأرض بكمالها، المسكونة وكل الساكنين فيها\"، وأن بيتنا كنيسةٌ له. وماذا تعني كنيسة البيت؟ كنيسة البيت تعني أن المسيحي معنيٌّ بكل ما حوله وهذه هي العبادة الحقّة لله. فإذا ما احترق بيت الجيران لا نقول: هذا ليس بيتنا ولا يعنينا. إنه بيت الله أيضاً. إذاً، المسلكية المسيحية ليست عبادة لله في الكنيسة أو حتى في المنزل وحسب. العبادة المسيحية هي شراكة. هكذا يقول بولس الرسول: \"نُصلب معه ونقوم معه بقيامته\" أي نشارك المسيح موته فيشاركنا قيامته. للرب الأرض بكمالها وله الزمن كله، ونحن شركاؤه في كل ما لَه من مسؤوليات. هذه الشراكة تتحقق في الكنيسة في عبادة جماعية، وفي \"بيتنا\" الكنيسة. هكذا كان على فيلمون أن يعبد الله في الكنيسة كما يعبده في بيته. كان عليه أن يحبّ أخوتَه المؤمنين في اجتماعهم بالكنيسة كما حين يعملون عنده في البيت. \"حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك\" وفيلمون جعل الله شريكه في كل شيء وكل مكان. وبالتالي لم يَعدْ أونيسموس عبَده في البيت وأخاه في الكنيسة، بل هو شريكه مع الله كما في الكنيسة كذلك في البيت! من يحب لا يُحاصص، ومن يعطي القلب يشارك. \"جعلتُ الرب أمامي في كل حين\" يقول النبي داؤود فجعل هكذا كلَّ مكان يحلُّ فيه بيتاً لله. فلنجعلّن الله أمامنا كل حين، آمين.
حِكَمٌ وأمثال
1. يُحكى أن غانـدي كان يجري بسرعة للحاق بقطار. وقد بدأ القطار بالسير وعند صعوده القطار سقطت من قدمـه إحدى فردتي حذائه، فما كان منه إلا أنْ خلع الفردة الثانية وبسرعة رماها بجوار الفردة الأولى على سكة القطار فتعجب أصدقاؤه وسألوه: ماحَمَلَكَ على ما فعلت؟ لماذا رميت فردة الحذاء الأخرى؟ فقال غاندي الحكيم أحببت للفقير الذي يجد الحذاء أن يجد فردتين فيستطيع الإنتفاع بهما فلو وجد فردة واحدة فلن تفيده ولن أستفيد أنــا منها أيضاً. نريـد أن نعلّم أنفسنا من هذا الدرس أنــه إذا فاتنــا شيءٌ فقد يذهب إلى غيرنــا ويحمل له السعادة فــلـنــفــرح لـفـرحــه، ولا نــحــزن على مــافــاتــنــا.
2. يحكى أن ملكاً، كان يحكم دولة واسعة جدا،ً أراد يوماً القيام برحلة برية طويلة. وخلال عودته وجد أن أقدامه تورّمت بسبب المشي في الطرق الوعرة، فأصدر مرسوماً يقضي بتغطية كل شوارع مدينته بالجلد ولكن أحد مستشاريه أشار عليه برأيٍ أفضل وهو عمل قطعة جلد صغيرة تحت قدمي الملك فقط . فكانت هذه بداية نعل الأحذية.
إذا أردت أن تعيش سعيداً في العالم فلا تحاول تغيير كل العالم بل اعمل التغيير في نفسك. ومن ثم حاول تغيير ما تلاقيه في طريقك.
|